أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
535
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
جملة اسمية محلّها النصب ، و « مُصَدِّقاً » عطف على محلها ، وإلى هذا ذهب ابن عطية ، إلا أنّ هذا مرجوح من وجهين : أحدهما : أنّ أصل الحال أن تكون مفردة والجارّ أقرب إلى المفرد من الجمل . الثاني : أنّ الجملة الاسمية الواقعة حالا الأكثر أن تأتي فيها بالواو وإن كان فيها ضمير ، حتى زعم الفراء - وتبعه الزمخشري - أنّ ذلك لا يجوز إلا شاذا ، وكون « مُصَدِّقاً » هذا حالا من « الْإِنْجِيلَ » هو الظاهر ، وأجاز مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون « مُصَدِّقاً » ، الثاني حالا أيضا من « عيسى » كرّر توكيدا . قال ابن عطية : « وهذا فيه قلق من جهة اتّساق المعاني » قلت : إذا جعلنا « وَآتَيْناهُ » حالا منه ، وعطفنا عليها هذه الحال الأخرى فلا أدري وجه القلق من الحيثية المذكورة ؟ . وقوله : وَهُدىً الجمهور على النصب وهو على الحال : إمّا من الإنجيل ، عطفت هذه الحال على ما قبلها ، وإمّا من « عيسى » أي : ذا هدى وموعظة أو هاديا ، أو جعل نفس الهدى مبالغة . وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعول من أجله ، وجعل العامل فيه قوله تعالى : « آتَيْناهُ » قال : « وأن ينتصبا مفعولا لهما لقوله : « وَلْيَحْكُمْ » ، كأنه قيل : وللهدى وللموعظة آتيناه الإنجيل وللحكم . وجوّز أبو البقاء وغيره أن يكون العامل فيه : « قَفَّيْنا » أي : قفينا للهدى والموعظة ، وينبغي إذا جعلا مفعولا من أجله أن يقدّر إسنادهما إلى اللّه تعالى لا إلى الإنجيل ليصحّ النصب ، فإنّ شرطه اتحاد المفعول له مع عامله فاعلا وزمانا ، ولذلك لمّا اختلف الفاعل في قوله : « وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ » عدّي إليه باللام ، ولأنه خالفه أيضا في الزمان ، فإنّ زمن الحكم مستقبل وزمن الأنبياء ماض ، بخلاف الهداية والموعظة فإنهما مقارنان في الزمان للإيتاء . و « لِلْمُتَّقِينَ » يجوز أن يكون صفة ل « مَوْعِظَةً » ، ويجوز أن تكون اللام زائدة مقوية ، و « المتقين » مفعول ب « مَوْعِظَةً » ، ولم تمنع تاء التأنيث من عمله لأنه مبنيّ عليها كقوله : 1740 - . . . ورهبة * عقابك . . . « 1 » وقد تقدّم الكلام على « الْإِنْجِيلَ » « 2 » واشتقاقه وقراءة الحسن فيه بما أغنى عن إعادته . وقرأ الضحاك بن مزاحم : « وَهُدىً وَمَوْعِظَةً » بالرفع ، ووجهها أنها خبر ابتداء مضمر أي : وهو هدى وموعظة . قوله تعالى : وَلْيَحْكُمْ : قرأ الجمهور بسكون اللام وجزم الفعل بعدها على أنها لام الأمر سكّنت تشبيها ب « كتف » وإن كان أصلها الكسر ، وقد قرأ بعضهم بهذا الأصل . وقرأ حمزة - رحمه اللّه - بكسرها ونصب الفعل بعدها ، جعلها لام كي ، فنصب الفعل بعدها بإضمار « أن » على ما تقرر غير مرة ، فعلى قراءة الجمهور والشاذ تكون مستأنفة ، وعلى قراءة حمزة يجوز أن تتعلق اللام ب « آتينا » أو ب « قَفَّيْنا » إن جعلنا « هُدىً وَمَوْعِظَةً » مفعولا لهما أي : قفّينا للهدى والموعظة وللحكم ، أو آتيناه الهدى والموعظة والحكم ، وإن جعلناهما حالين معطوفين على « مُصَدِّقاً » تعلّق « وَلْيَحْكُمْ » في قراءته بمحذوف دلّ عليه اللفظ كأنه قيل : وللحكم آتيناه ذلك . قال الزمخشري : « فإن قلت : فإن نظّمت « هُدىً وَمَوْعِظَةً » في سلك « مُصَدِّقاً » فما تصنع بقوله : « وَلْيَحْكُمْ » ؟ قلت : أصنع به ما صنعت ب « هُدىً وَمَوْعِظَةً » حيث جعلتهما مفعولا لهما فأقدّر : « وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه آتيناه إياه » . وقال
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 3 ) .